ابن ملقن
14
طبقات الأولياء
القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد الصفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية ، واستعمال ما هو أولى على الأبدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء للّه على الحقيقة ، واتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الشريعة » . وسئل أبو الحسن النوري : ما التصوف ؟ قال : « ترك كل حظ النفس » . وسئل سهل بن عبد اللّه التستري : من الصوفي ؟ قال : « من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى اللّه من البشر ، واستوى عنده الذهب والمدر » . فكل تعريف من هذه التعريفات وغيرها يعبر عن جانب أو عن عدة جوانب من التصوف يتفق مع مشرب صاحبه واتجاهه الغالب عليه ، كما هو واضح وظاهر . وإذا كنا نحتاج إلى عشرات التعريفات لكي نحدد من مجموعها مفهوم التصوف ، فإن الشيخ العربي بن أحمد الدرقاوى شيخ الدرقاوية الشاذلية في « فاس » قد عرف التصوف تعريفا جامعا مانعا لم نجده عند غيره بعد استعراض شاق لتلك التعريفات في مظانها ، قال ، رحمه اللّه : التصوف : حفظ شرائع الدين ، وحسن الخلق مع الخلق أجمعين ، وسلب الإرادة للّه رب العالمين . وقد شرح هذا التعريف أحد أبناء الطريقة الدرقاوية من العلماء المعاصرين لعبد الغنى النابلسي في المغرب شرحا يؤكد أصالة التصوف في الإسلام ، وأنه جامع لكل شعائره ، فضلا عن بيان أنه تعريف جامع مانع أيضا فقال : « فحفظ الشرائع إسلام ، وحسن الخلق إيمان ، وسلب الإرادة للّه إحسان ، وفي هذه المقامات انطمست جميع المقامات ، ومن حصل عليها جمع الخير كله ، ومن فاتته فاته جميع الخير » . ويعلق على هذا التعريف متحديا أن يكون هناك مقام رابع غير هذه